شروطها، موانعها، وإجراءاتها في ميزان العدالة القضائية
تمهيد
تُعد الشهادة من أهم وسائل الإثبات في الخصومة القضائية لما لها من أثر مباشر في تكوين قناعة المحكمة وإظهار الحقيقة وقد أولى نظام الإثبات السعودي عناية خاصة بتنظيم أحكام الشهادة، فحدد شروط الشاهد وبيّن موانع قبول الشهادة، ووضع إجراءات دقيقة لأدائها وتقديرها بما يحقق التوازن بين مصلحة الخصوم وصيانة العدالة من العبث أو التزييف.
أولاً: شروط أهلية الشاهد وموانع قبول الشهادة
(المواد 70–71 من نظام الإثبات)
أقر المنظم السعودي مبدأ أهلية الشاهد باعتباره شرطًا جوهريًا لقبول الشهادة فنص في المادة السبعين على عدم أهلية من لم يبلغ سن الخامسة عشرة أو من لم يكن سليم الإدراك وهو ما يؤكد أن مناط الشهادة هو التمييز والقدرة على الفهم والإدراك لا مجرد الحضور الشكلي.
ومع ذلك، لم يُغفل المنظم القيمة القرائنية لأقوال غير البالغ، فأجاز سماع أقواله على سبيل الاستئناس دون أن ترقى إلى مرتبة الدليل الكامل وهو اتجاه متوازن يراعي ظروف الوقائع دون الإخلال بحجية الإثبات.
أما المادة الحادية والسبعون فقد قررت موانع الشهادة على أساس تعارض المصالح ودرء الشبهة فمنعت قبول شهادة من يجلب لنفسه نفعًا أو يدفع عنها ضررًا، كما منعت شهادة الأصول للفروع والعكس، وشهادة أحد الزوجين للآخر ولو بعد الافتراق، وشهادة الولي أو الوصي لمن هو تحت ولايته، وهي موانع تقررت حمايةً لنزاهة الشهادة وتجريدها من الهوى والميل.
كما شدد المنظم على حماية سرية الوظيفة العامة، فمنع الموظفين والمكلفين بخدمة عامة من الشهادة بما اطلعوا عليه بحكم وظائفهم، إلا إذا زالت صفة السرية أو أذنت الجهة المختصة، وهو ما يعكس موازنة دقيقة بين مقتضيات العدالة ومتطلبات المصلحة العامة.
ثانيًا: إجراءات الإثبات بالشهادة وضمانات الخصوم
(المواد 72–80 من نظام الإثبات)
أوجب المنظم على من يطلب الإثبات بالشهادة أن يحدد الوقائع المطلوب إثباتها وعدد الشهود وأسماءهم، تأكيدًا لمبدأ تحديد نطاق النزاع ومنعًا للمفاجأة أو التعسف في استعمال الحق الإجرائي ومنح النظام الخصم الآخر حق نفي الواقعة بذات الطريق، مع تقييد الشهادة على النفي بكونه محصورًا، حتى لا تتحول الشهادة إلى وسيلة سلبية مبهمة تهدر قيمة الإثبات كما خوّل المحكمة سلطة واسعة في استدعاء من ترى لزوم سماع شهادته من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الخصوم، وهو ما يؤكد الدور الإيجابي للقاضي في كشف الحقيقة لا الاكتفاء بدور الحَكَم السلبي ونص النظام على أن الشهادة تؤدى شفاهاً كأصل عام مع جواز أدائها كتابة بإذن المحكمة، وأجاز تحليف الشاهد عند الاقتضاء مع ترك تقدير أثر الامتناع عن الحلف للمحكمة بما يعزز مبدأ الاقتناع القضائي.
كما أرسى النظام ضمانات جوهرية أثناء سماع الشهادة، من حضور الخصوم، وسماع كل شاهد على انفراد، ومنح الخصوم حق توجيه الأسئلة، والاعتراض عليها، مع إثبات كل ذلك في محضر الجلسة، بما يكفل الشفافية وحسن سير العدالة وفي حال اختلاف أقوال الشهود لم يجعل المنظم هذا الاختلاف سببًا تلقائيًا لطرح الشهادة، بل ترك للمحكمة الأخذ بالقدر الذي تطمئن إليه، ما دام لا يصل إلى حد التناقض، وهو تطبيق عملي لسلطة القاضي التقديرية.
كما قرر النظام حق الخصم في الطعن في الشاهد أو شهادته، وأناط بالمحكمة تقدير عدالة الشاهد دون حاجة إلى تزكية، مستندةً إلى سلوكه وظروف الدعوى، وهو ما يكرس استقلال القاضي في تكوين قناعته.
ثالثًا: الشهادة الزور ومسؤولية الشاهد
(المادة 80 من نظام الإثبات)
حمايةً للعدالة ومنعًا للعبث بإجراءات التقاضي، أوجب النظام على المحكمة، إذا ثبت لها أن الشاهد شهد زورًا، تحرير محضر بذلك وإحالته إلى النيابة العامة، تأكيدًا لخطورة شهادة الزور بوصفها اعتداءً على الحق العام قبل أن تكون إخلالًا بحقوق الخصوم.
رابعًا: الدعوى المستعجلة لسماع الشهادة
(المادة 81 من نظام الإثبات)
استحدث المنظم نظام الدعوى المستعجلة لسماع الشهادة تحسبًا لفوات فرصة الاستشهاد، وهو تنظيم دقيق يوازن بين عنصر الاستعجال وضمانات الخصومة، حيث لا يجوز تسليم صورة من محضر الشهادة أو الاحتجاج بها إلا إذا رأت محكمة الموضوع جواز الإثبات بالشهادة، مع تمكين الخصم من الاعتراض وسماع شهود النفي.
خامسًا: حماية الشاهد والتعويض عن أعبائه
(المواد 82–83 من نظام الإثبات)
أوجب النظام عدم مضارة الشاهد، ومنع كل ما من شأنه تخويفه أو التأثير عليه، تعزيزًا لحرية الشهادة وصدقها، كما قرر حق الشاهد في مصروفات الانتقال ومقابل التعطيل، تتحملها الجهة الخاسرة في الدعوى، تحقيقًا للعدالة الإجرائية وعدم تحميل الشاهد عبئًا غير مستحق.
خاتمة
يتضح من استقراء نصوص نظام الإثبات أن المنظم السعودي قد أحاط الشهادة بسياجٍ متكامل من الشروط والضمانات والإجراءات، بما يكفل صدقها، ويمنع الانحراف بها عن غايتها، ويجعلها أداة فاعلة في تحقيق العدالة، لا وسيلة للتلاعب أو الإضرار بالحقوق، وهو ما يعكس نضجًا تشريعيًا وانسجامًا مع مقاصد الشريعة ومبادئ العدالة الحديثة.


لا تعليق